تموز/يوليو 12, 2024

هيومن رايتس ووتش:إيران: سوء الإدارة الحكومي يفاقم أزمة فيروس "كورونا"

رجل يرتدي قناعا واقيا ينتظر في طابور بينما يصطف الناس للحصول على اللقاح الصيني ضد فيروس كورونا "سينوفارم"، وسط طهران، إيران، 19 يوليو/تموز 2021.  © 2021 Morteza Nikoubazl/NurPhoto via AP

(بيروت) - قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن الحظر الذي تفرضه السلطات الإيرانية على شراء اللقاحات الأمريكية والبريطانية المنشأ، وغياب الشفافية، وسوء الإدارة تؤدي إلى تفاقم الأثر الرهيب أصلا للوباء الناتج عن فيروس "كورونا" في إيران.

تشهد إيران "موجة خامسة" من الوباء، حيث بلغ عدد الوفيات اليومي 655 شخصا على الأقل، وقرابة 100 ألف حالة وفاة إجمالية حتى 18 أغسطس/آب، بناء على الإحصاءات الرسمية للحكومة. على السلطات الإيرانية الإسراع بمضاعفة الجهود للاستجابة للأزمة بفعالية، بما يشمل استخدام جميع الموارد اللازمة لتأمين اللقاحات المنقذة للحياة، والتواصل بشفافية، وتنفيذ توجيهات التلقيح وتوجيهات السلامة الأخرى بفعالية ووضوح.

قالت تارا سبهري فر، باحثة إيران في هيومن رايتس ووتش: "الإيرانيون يعبرون عن غضبهم من عدم كفاءة السلطات في السيطرة على تفشي فيروس كورونا وغياب الشفافية، وهو ما يكلف شخصا إيرانيا حياته كل بضع دقائق. ثقة الجمهور عامل حاسم في إدارة أزمات الصحة العامة، ومع ذلك، تواصل السلطات الإيرانية تكرار فشلها المعهود".

يتزايد عدد الوفيات والحالات الواردة على المستشفيات في إيران، وأشارت تقارير على منصات التواصل الاجتماعي إلى نقص في أسرة المستشفيات والأدوية في مختلف المدن. في 14 أغسطس/آب، اعتقلت السلطات الإيرانية ستة محامين وحقوقيين بارزين كانوا يسعون إلى تقديم شكوى بشأن سوء إدارة السلطات لأزمة فيروس كورونا، بحسب ما أفاد زملاء لهم. أفرجت السلطات عن أحدهم في نفس الليلة، لكن الحقوقيين آرش كيخسروي، ومهدي محموديان، ومصطفى نيلي، ومحمد رضا فقيهي، ومريم أفرافراز ما زالوا محتجزين.

ألقى المسؤولون الإيرانيون باللوم على العقوبات الدولية والتأخير في استيراد اللقاحات، بالإضافة إلى لوم بعضهم البعض، على بطء تنفيذ عملية التلقيح، دون تقديم أدلة واضحة على مزاعمهم.

أدلى مسؤولون إيرانيون كبار بتصريحات أعاقت بشدة شراء لقاحات منقذة للحياة، وبثت معلومات مضللة بين الإيرانيين. في 8 يناير/كانون الثاني 2021، قال المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي في خطاب إنه "يُمنَع استيراد لقاحات فيروس كورونا المصنوعة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة". وفي تغريدة حجبها "تويتر" لانتهاكها سياسة المعلومات المضللة بشأن الوباء العالمي، ادعى خامنئي أن اللقاحات الأمريكية والبريطانية الصنع "غير جديرة بالثقة بتاتا، ولا يُستبعد أنهم يريدون نشر العدوى في باقي البلدان".

ترتبت عن هذه السياسة عواقب وخيمة على حق الإيرانيين في الصحة وقدرتهم على الحصول على اللقاحات المنقذة للحياة. في 9 يناير/كانون الثاني، أعلن أمين عام "جمعية الهلال الأحمر" الإيرانية محمد حسن قوسيان مقدم إلغاء استيراد 150 ألف جرعة من لقاح شركة "فايزر" تبرعت به منظمة خيرية أمريكية.

تشهد إيران نقصا في لقاحات فيروس كورونا. فوفقا لإحصاءات وزارة الصحة، لم يتلق الجرعتين اللازمتين إلا 5,063,519 شخصا من أصل 85 مليون نسمة حتى 18 أغسطس/آب. لم تقبل إيران إلا اللقاحات التي تتطلب جرعتين لتحقيق التحصين الكامل.

على مدار العام الماضي، أعطت السلطات الإيرانية الأولوية لإنتاج لقاح محلي تحت اسم "كوف إيران بركت" وروّجت له على نطاق واسع بحسب تقارير، واستثمرت فيه موارد حكومية ضخمة بحسب تقارير. ومع ذلك، لم تصدر السلطات الإيرانية ولا الشركة المملوكة للدولة معلومات واضحة بشأن سلامة اللقاح وفعاليته. وأثار خبراء مخاوف بشأن غياب الشفافية في العملية برمّتها، ويبدو أن الإنتاج تأخر كثيرا عن جدوله الزمني.

نظرا للأزمة الصحية المتفاقمة والانتقادات الواسعة ضد تعامل السلطات معها، قد ترفع الحكومة الحظر المفروض على اللقاحات الأمريكية والبريطانية المنشأ. في 10 أغسطس/آب، أمر الرئيس إبراهيم رئيسي، الذي أيّد الحظر الذي فرضه آية الله خامنئي في البداية، الحكومةَ بتخصيص موارد فورا لاستيراد لقاحات. كما قال آية الله خامنئي في نفس اليوم إنه يجب الحصول على اللقاحات "بكل الوسائل الممكنة". وبعدما ارتفعت الوفيات وحالات دخول المستشفيات لعدة أسابيع، أعلنت السلطات الإيرانية إغلاقا كاملا لمدة ستة أيام اعتبارا من 15 أغسطس/آب.

يتبادل المسؤولون الحكوميون الإيرانيون الحاليون والسابقون اللوم علنا على فشل استجابة الحكومة للوباء. في 11 أغسطس/آب، أعلن رئيس لجنة مكافحة فيروس كورونا في طهران علي رضا زالي للصحفيين أن إجمالي إمدادات اللقاح في البلاد لن يكفي إلا خمسة أيام أخرى. كما قال زالي إن سفراء إيران لم يبذلوا ما يكفي من الجهد لتأمين استيراد لقاحات أجنبية، وإن مسؤولين كبارا وجّهوا مسؤولي الصحة لتضليل مسؤولي "منظمة الصحة العالمية" الزائرين بشأن احتياجات إيران العاجلة المتعلقة بالوباء، وعدد الوفيات الحقيقي في البلاد.

رد وزير الخارجية جواد ظريف عبر حسابه على "إنستغرام"، قائلا إن وزارته كفلت استيراد 24 مليون جرعة من اللقاحات، ولمّح إلى أن هيئات حكومية أخرى هي المسؤولة. "ما هي الجهة التي رفضت عرضا لاستيراد 20 مليون جرعة من اللقاح؟"، سأل ظريف دون تقديم تفاصيل إضافية أو أدلة.

قالت هيومن رايتس ووتش إن على السلطات الإيرانية الاستفادة من كل الموارد المتاحة للاستجابة لتفشي الوباء على نحو يحترم حقوق الإنسان ويقلل من الضرر على صحة جميع من يعيشون في البلاد ورفاهيتهم. ويشمل ذلك توفير الوصول إلى معلومات دقيقة وفي الوقت المناسب بشأن الوباء، وإتاحة معدات الحماية الشخصية الكافية للعاملين في الخطوط الأمامية، وتوفير اختبارات ميسورة التكلفة وآمنة، وتقديم الرعاية الاجتماعية ليتمكن الناس من التزام الحجر الصحي بأمان عند الضرورة.

قالت هيومن رايتس ووتش إن على الحكومة الإيرانية نشر جميع عقود الشراء بالإضافة إلى معلومات محدّثة بشأن توريد اللقاحات وإيصالها، مع تفاصيل كالسعر، وتاريخ التسليم، وعدد الجرعات.

دعت هيومن رايتس ووتش سابقا جميع الجهات ذات الصلة، بما فيها الولايات المتحدة، التي فرضت عقوبات واسعة على إيران تشمل قطاعات مالية واقتصادية واسعة على إيران، إلى ضمان إمكانية حصول الناس في إيران بشكل سريع، ومُيسَّر، ومنصف على لقاحات آمنة، وفعّالة، ومعقولة التكلفة لفيروس "كورونا". في 17 يونيو/حزيران، أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية ترخيصا عاما إضافيا للمعاملات والأنشطة التي تتضمن تسليم الأقنعة الواقية، وأجهزة التنفس الصناعي، وخزانات الأكسجين، واللقاحات وإنتاجها، واختبارات فيروس كورونا، وأنظمة تنقية الهواء، والمستشفيات الميدانية المتعلقة بفيروس كورونا.

إيران طرف في "العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية"، الذي ينص على أن لكل إنسان الحق "في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والعقلية". بموجب العهد، على كل دولة طرف أن تتخذ، بمفردها وعن طريق المساعدة والتعاون الدوليين، ولا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتقني، وبأقصى ما تسمح به مواردها المتاحة، ما يلزم من خطوات لإحقاق الحق في الصحة. وهي مُلزَمة  على وجه التحديد باتخاذ التدابير اللازمة من أجل "الوقاية من الأمراض الوبائية والمتوطنة والمهنية والأمراض الأخرى وعلاجها ومكافحتها". وتتطلب مكافحة الأوبئة، في جملة تدابير أخرى، تنفيذ أو تعزيز برامج التحصين وغيرها من الاستراتيجيات لمكافحة الأمراض المعدية.

في حين تقلل العقوبات المالية حتما من قدرة البلدان المتضررة على تمويل أو دعم بعض التدابير الضرورية، تظل إيران ملزمة باتخاذ خطوات "بأقصى ما تسمح به مواردها المتاحة" من أجل "توفير أكبر قدر ممكن من الحماية" للحق في الصحة للأفراد الخاضعين لسلطتها.

لمكافحة الوباء العالمي، دعت هيومن رايتس ووتش سابقا البلدان التي تمول أبحاث لقاح فيروس كورونا إلى ضمان أن من يتلقى هذه الأموال يتيح البيانات والمعارف بأكملها، بما فيها تلك الخاضعة لملكية فكرية، للتمكين من تصنيع واسع النطاق للقاحات المرشحة الناجحة.

قالت سبهري فر: "لا يمكن للسلطات الإيرانية التحجج بالعقوبات لتبرير سوء إدارتها لتفشي فيروس كورونا، فالإيرانيون يحتاجون إلى أن تعاملهم حكومتهم بشكل أفضل وهم يستحقون ذلك فعلا".

ظروف مزرية في إيران

 أفاد مسؤولو الصحة بالإضافة إلى وسائل الإعلام الاجتماعي أن المستشفيات بلغت طاقتها القصوى في مدن تشمل طهران، والأحواز، ومشهد، وقاربت أخرى حدها الأقصى، بما يشمل محافظات أصفهان، وأردبيل، وسيستان وبلوشستان. وقد أفاد الأطباء في مشهد عن وضع خطير للغاية مع ارتفاع سريع في عدد الموتى ودخول المستشفى.

بينما أفادت السلطات الإيرانية أنه حتى 16 أغسطس/ آب يموت ما لا يقل عن 655 شخصا يوميا بسبب فيروس كورونا، فمن المحتمل أن يكون هذا العدد أقل بكثير من الأعداد الحقيقية. قال وكيل وزارة الصحة إيرج حریرچي سابقا، في مقابلة إعلامية، إن السلطات تسجل الوفيات بـ فيروس كورونا فقط عند وجود فحص "بي سي آر" (PCR) إيجابي، وإن العدد الحقيقي للوفيات هو على الأرجح أعلى من الأعداد المعلنة بنسبة 1.5 إلى 2.2 أضعاف.

في 4 أغسطس/آب، أقرّ زالي، رئيس الفريق الحكومي للإستجابة لفيروس كورونا في طهران، بصحة تقارير وسائل التواصل الاجتماعي عن نقص الأكسجين والمصل الطبي اللازم لإعطاء "" في طهران؛ ريمديسيفير هو دواء يستخدم في حالات الإصابة الحرجة بفيروس كورونا. كما أكد رئيس العلاقات العامة في نقابة الصيادلة في محافظة خراسان رضوي أنه يجري تقنين المصل ودواء ريمديسيفير بسبب نقصهما في المحافظة.

 خطة التلقيح الإيرانية؛ شراء اللقاح وإنتاجه

أعلنت وزارة الصحة الإيرانية عن خطة التلقيح الوطنية متعددة المراحل في 19 يناير/كانون الثاني، والتي تحدد أربع مراحل للتلقيح المجاني تُعطى فيها الأولوية للعاملين في مجال الرعاية الصحية، والأشخاص الذين لديهم حالات صحية معينة، والمسنين. وبينما تشمل خطة التلقيح المهاجرين ذوي الوضع القانوني، فإنها تستبعد أكثر من 2 مليون مهاجر أفغاني غير مسجلين في إيران.

منذ ذلك الحين، كان تطبيق الحكومة لخطة اللقاح أبطأ بكثير مما وعدت به، وكانت خططها لتأمين الجرعات المطلوبة، سواء من خلال الاستيراد أو الإنتاج المحلي، تفتقر إلى الشفافية. وقد توقع ملحق لخطة اللقاح الوطنية إعطاء متوسط ​​يومي قدره 400 ألف لقاح، أو 10 ملايين لقاح شهريا. إلا أن البيانات الرسمية حتى أواخر يوليو/تموز تظهر أنه، في معظم الأيام، كان متوسط ​​عدد جرعات اللقاح المُعطاة أقل بكثير.

استوردت السلطات اللقاحات التي تم التبرع بها من دول متعددة وقبلتها واستحصلت على الجرعات عبر "كوفاكس"، وهي آلية عالمية لتأمين اللقاحات. لكن الشفافية كانت شحيحة بشأن العدد الإجمالي للقاحات المستوردة أو خطط الاستيراد نفسها. في 6 يناير/كانون الثاني، أعلن البنك المركزي الإيراني أنه دفع ثمن 16.8 مليون جرعة من اللقاح عبر كوفاكس.

أدى نقص إمدادات اللقاحات إلى إعاقة وتأخير عمل كوفاكس عالميا. فوفقا للمتحدث باسم "إدارة الغذاء والدواء" الإيرانية، تم تسليم 2.2 مليون جرعة فقط عبر كوفاكس بعد تأخيرات عدة. وفي 5 أغسطس/آب، قال رئيس جمعية الهلال الأحمر الإيراني كريم همتي لـ "وكالة أنباء الطلبة الإيرانية" (إسنا) إنه تم استيراد إجمالي 12,650,000 جرعة لقاح وتسليمها إلى وزارة الصحة الإيرانية عبر المنظمة.

مع أن تقارير وسائل الإعلام التابعة للحكومة تدّعي أن تجارب المرحلة الثالثة من اللقاح المحلي ستعلن في أغسطس/آب، أفادت تقارير أن اللقاح حصل في 14 يونيو/حزيران على موافقة إدارة الغذاء والدواء الإيرانية للاستخدام الطارئ وقد بدأت السلطات في إعطائه في مختلف أنحاء البلاد. قالت هيومن رايتس ووتش إن على إيران نشر نتائج تجارب المرحلة الثالثة فورا وتقديم المعلومات إلى هيئة علمية مستقلة لضمان إجراء دراسات المرحلة الرابعة المناسبة لرصد الأضرار السلبية المحتملة.

يبدو أن إنتاج اللقاحات الإيرانية المحلية يتأخر بشكل فادح عن الجدول الزمني الموعود. "مقر القيادة الرئيسي لتنفيذ أمر الإمام الخميني"، أحد أقوى الشركات المملوكة للدولة، هو المستثمر الرئيسي في لقاح كوف إيران بركت. في 3 يوليو/تموز، قال رئيس العلاقات العامة في الشركة إنها تخطط لإنتاج 50 مليون جرعة لقاح بحلول سبتمبر/أيلول، لكن لا يبدو أنها قد تتمكن من إنتاج عدد قريب من عدد اللقاحات الموعود. في 31 يوليو/تموز، قال حسن جليلي، المدير التنفيذي لشركة الأدوية الإيرانية المنتجة للقاح، إنه تم إنتاج حوالي 5 ملايين جرعة ويتم اختبار سلامتها في عملية الإنتاج، وتم تسليم 1.5 مليون جرعة إلى وزارة الصحة.

 

 

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)