طباعة هذه الصفحة

موجة الانتحار في الأحواز: ضحايا الفقر والتمييز وتحميل المسؤولية للسلطات الإيرانية

By تشرين2/نوفمبر 22, 2025 76

تشهد الأحواز في الأشهر الأخيرة تصاعداً خطيراً في حالات الانتحار بين الشباب والعمال العرب، في ظل سياسات اقتصادية واجتماعية تمييزية تُمارسها السلطات الإيرانية. تُظهر البيانات الميدانية أن هذه الحوادث ليست مجرد أزمات فردية، بل نتاج سياسات ممنهجة للإفقار والتمييز، تعكس فشل الدولة في حماية حقوق المواطنين.

آخر هذه المآسي تمثلت في ثلاث حالات خلال شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2025. ففي 3 نوفمبر أقدم كمال بالدي، الشاب العربي البالغ من العمر 26 عاماً من منطقة الغميج في مدينة الأحواز، على إنهاء حياته بعد عام من البطالة القسرية إثر فصله التعسفي من شركة صناعات فولاد الأحواز عبر مقاول، رغم هجرته للعراق بحثاً عن عمل. ترك كمال خلفه زوجة وطفلة، وأكدت عائلته أن غياب الأمان الاقتصادي والفقر المدقع كان السبب المباشر لفقدانه الأمل.

وفي حادثة أخرى، عُثر على جثة مرتضى سنجري (باوي)، الشاب البالغ من العمر 18 عاماً من قرية نُمره ثلاثة – كُوبال قرب الغيزانية، في 11 نوفمبر بعد اختفائه في اليوم السابق. وأكد الطب الشرعي أن الوفاة ناتجة عن انتحار، فيما أوضحت عائلته أن الفقر المدقع وانعدام أي دعم للشباب في المناطق الريفية كانا السبب الرئيسي وراء الحادثة.

أما الحالة الثالثة، فتمثلت في وفاة الطالب الجامعي أحمد بالدي (20 عاماً)، الذي أقدم على إضرام النار في نفسه في 2 نوفمبر في حديقة الزيتون بعد قيام بلدية المنطقة الثالثة والشرطة بتدمير دكّان أسرته رغم حمله تصريحاً رسمياً يعود إلى 25 عاماً. تعرض أحمد لحروق بليغة تجاوزت 70%، ولفارق الحياة بعد أيام من الحادثة. تعتبر المنظمة أن الجهات المسؤولة عن تنفيذ عملية التدمير – بلدية الأحواز، عناصرها الميدانيون، والجهات الأمنية المشاركة – تتحمل المسؤولية القانونية المباشرة عن الظروف التي أدت إلى هذه الوفاة، وأن السلطات الإيرانية أخلفت التزاماتها الدولية عبر السماح للفقر والبطالة والتمييز بأن تصبح أدوات قمع غير مباشرة.

استناداً إلى شهادات الأهالي والعمال المحليين وملفات الانتهاكات، تظهر مجموعة من السياسات الحكومية التي تؤدي مباشرة إلى تفاقم الأزمة. من أبرز هذه السياسات التمييز الاقتصادي في التوظيف، حيث توظف الشركات النفطية والبتروكيمياوية والفولاذية غالباً وافدين من محافظات أخرى، في حين يُقصى السكان العرب الأصليون رغم توفر الكفاءات لديهم. ويرتبط بذلك التحكم في البطالة البنيوية والإفقار المتعمد، فبالرغم من أن الأحواز توفر لاقتصاد إيران أكثر من 70% من النفط الخام، إلا أن بعض مناطقها تشهد بطالة تتجاوز 50%، ما يعكس إدارة سياسية قائمة على الإفقار والضغط الاجتماعي. كما تستخدم السلطات أدوات الدولة لنسف الاستقرار الاقتصادي للأهالي، بما في ذلك الفصل التعسفي عبر مقاولي الشركات الكبرى، وتدمير المشاريع الصغيرة كما حصل في حالة أحمد بالدي، وحرمان المناطق العربية من أي دعم أو خدمات أساسية. هذا الوضع يخلق بيئة من الإحباط واليأس، مما يدفع الشباب إلى الهجرة القسرية أو الانتحار نتيجة استحالة العيش الكريم تحت هذه الضغوط المستمرة.

باعتبار أن إيران دولة طرف في عدة اتفاقيات دولية، فإن ما يجري في الأحواز يُعد انتهاكاً صريحاً لالتزاماتها، إذ ينتهك الحق في الحياة وفق المادة 6 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، حيث الدولة ملزمة باتخاذ تدابير لمنع الظروف المؤدية للانتحار، خصوصاً الاقتصادية منها. كما يُعد انتهاك الحق في العمل وفق المادة 6 من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والفصل التعسفي، وغياب الشفافية في التوظيف، والتهميش البنيوي مخالفة مباشرة لنص المادة، ويضاف إليها انتهاك معايير ظروف العمل اللائقة وفق المادة 7 من العهد نفسه، إذ تفرض المعايير الدولية حماية العمال من الاستغلال والممارسات غير العادلة. كما يمثل الفقر البنيوي وحرمان السكان من مواردهم النفطية انتهاكاً صريحاً للحق في مستوى معيشي كريم وفق المادة 11، بينما تشير التفاوتات الواضحة بين العرب وغير العرب في الأحواز إلى تمييز على أساس القومية وفق المادة 2 من الاتفاقية الدولية للقضاء على التمييز العنصري.

تُظهر الحالات الثلاث المدروسة أن الانتحار في الأحواز ليس نتيجة اضطرابات فردية، بل مرتبط بسياسات عامة ممنهجة، كما تُبرز وفاة أحمد بالدي المسؤولية المباشرة للسلطات عن نتائج سياساتها القمعية، ويهدد استمرار هذا الوضع بحدوث أزمة إنسانية واجتماعية واسعة النطاق قد تقود إلى مزيد من الاحتجاجات والانتحارات. وتدعو المنظمة الأحوازية لحقوق الإنسان السلطات الإيرانية إلى وقف الفصل التعسفي وفرض رقابة صارمة على المقاولين والشركات الكبرى، وإلغاء سياسات التمييز القومي في التوظيف، وتعويض المتضررين من تدمير مصادر رزقهم، وتبنّي خطط دعم اجتماعي فورية للمناطق الأكثر فقراً، كما تدعو الأمم المتحدة والهيئات الدولية إلى فتح تحقيق مستقل حول الانتهاكات الاقتصادية والتمييز في الأحواز، والضغط على الحكومة لامتثالها للعهود الدولية، خصوصاً الحق في الحياة والعمل، وإرسال بعثة مراقبة لرصد الانتهاكات اليومية، وتشجع المنظمات الحقوقية والإعلام على توثيق الحالات ونشر تقارير دورية ودعم عائلات الضحايا قانونياً وإعلامياً، وتسليط الضوء على مسؤولية الشركات النفطية والبتروكيمياوية في إنتاج الأزمة. وتشير الأدلة إلى أن موجة الانتحار في الأحواز، بما فيها وفاة أحمد بالدي، هي نتيجة مباشرة لسياسات حكومية تبني بيئة قمعية واقتصادياً مدمرة تُفقد المواطنين العرب القدرة على العيش بكرامة، وتؤكد المنظمة أن استمرار الوضع دون تدخل دولي سيؤدي إلى مزيد من الضحايا والانهيار الاجتماعي.

قيم الموضوع
(0 أصوات)